الجاحظ

73

البخلاء

وجشعهم ، وسوء جوارهم . وكان قاصّا متكلما بليغا داهيا ، وكان أبو سليمان الأعور ، وأبو سعيد المدائني القاصّان من غلمانه . وهو الذي قال لابنه عند موته : « إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته ، وما لا تأكله إن ضيّعته . ولما ورّثتك من العرف الصالح ، وأشهدتك من صواب التدبير ، وعوّدتك من عيش المقتصدين ، خير لك من هذا المال . ولو دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل حيلة ، ثم لم يكن لك معين من نفسك ، لما انتفعت بشيء من ذلك . بل يعود ذلك النهي كله إغراء لك ، وذلك المنع تهجينا لطاعتك . قد بلغت في البّر منقطع التراب ، وفي البحر أقصى مبلغ السفن . فلا عليك ألا ترى ذا القرنين ؛ ودع عنك مذاهب ابن شرية « 1 » ، فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر . ولو رآني تميم الداريّ « 2 » ، لأخذ عنيّ صفة الروم . ولأنا أهدى من القطا ، ومن دعيميص « 3 » ، ومن رافع المخش ، « 4 » إني قد بتّ بالقفر مع الغول ، وتزوّجت السّعلاة « 5 » ، وجاوبت الهاتف ، ورغت « 6 » عن الجنّ إلى الحنّ « 7 » ، واصطدت الشقّ « 8 » ، وجاوبت النسناس « 9 » ، وصحبني الرئي « 10 » ، وعرفت خدع الكاهن ، وتدسيس العرّاف ، وإلى ما

--> « 1 » ابن شرية : هو عبيد بن شرية الجرهمي أحد رواة الجاهليين ونسابتهم . « 2 » تميم الداري : هو أبو رقية بن أوس بن خارجة من بني عبد الدار ، كان صحابيا . « 3 » دعيميص : اسم رجل كان داهيا يضرب به المثل . « 4 » رافع المخش : هو رافع بن عمير كان دليلا حاذفا ، ولقب بالمخش لجرأته وشجاعته . « 5 » السّعلاة : أنثى الغول . والغول حيوان خرافي . « 6 » رغت : ابتعدت . « 7 » الجنّ : ضرب من الجنّ . « 8 » الشق : حيوان خرافي . « 9 » النسناس : ضرب من القرود . « 10 » الرئي : التابع من الجن ، سمي رئيّا لترائيه لمتبوعه .